محمد متولي الشعراوي
2796
تفسير الشعراوى
إن البحث في هذا الأمر لا يعنينا في شئ ، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال : « وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ » . ويدلنا هذا القول على عدم تثبت القتلة من شخصية القتيل ، وهو أمر متوقع في مسألة مثل هذه ، حيث يمكن أن تختلط الأمور . إننا نرى ذلك في أية حادثة تحدث مع وجود أعداد كبيرة من البشر وأعينهم مفتوحة ، وعلى الرغم من ذلك تختلف فيها الروايات . بل وقد تكون الحادثة مصورة ومسجلة ومع ذلك تختلف الروايات ، فما بالنا بوجود حادثة مثل هذه في زمن قديم لا توجد به كل الاحتياطات التي نراها في زماننا ؟ إذن فاضطراب الآراء والروايات في تلك الحادثة أمر وارد ، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال : « وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ » . فعيسى باق ؛ لأن الحق لم يأت لنا بخبر موت عيسى . ويبقى الأمر على أصل ما وردت به الآيات من أن اللّه سبحانه وتعالى رفع عيسى ابن مريم . وكمسلمين لا نستبعد أن يكون الحق سبحانه وتعالى قد رفعه إلى السماء ؛ لأن المبدأ - مبدأ وجود بشر في السماء - قد ثبت لرسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد حدثنا صلّى اللّه عليه وسلم أنه عرج به إلى السماء ، وأنه صعد وقابل الأنبياء ورأى الكثير من الرؤى ، إذن فمبدأ صعود واحد من البشر من الأرض وهو لا يزال على قيد الحياة البشرية المادية إلى السماء أمر وارد . والخلاف يكون في المدة الزمنية ، لكنه خلاف لا ينقض مبدأ ، سواء صعد وبقي في السماء دقائق أو ساعات أو شهورا . فإن حاول أحد أن يشكك في هذه المسألة نقول له : كل أمر قد يقف العقل فيه يتناوله الحق سبحانه وتعالى تناولا موسعا . فسبحانه خالق رحيم لا يورد نصا بحيث يتوقف العقل أمامه ، فإن قبل العقل النص كان بها ، وإن لم يقبله وجدت له مندوحة ، لأنه أمر لا يتعلق بصلب العقيدة . فهب أن إنسانا قال إن عيسى لم يرفع بل مات ، فما الذي زاد من العقائد وما الذي نقص ؟ ذلك أمر لا يضر ولا ينفع . ومثل ذلك الإسراء ، جاء فيه الحق بالقول القرآني : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي